باسم الفن.. ارتكبت كل الموبقات - مقالات صحفية

بقلم : صلاح الامام    جريدة : المصريون
فى مقالى الأسبوع الماضى تحدثت عن تاريخ السينما فى العالم، فهى ظهرت لأول مرة فى العالم فى باريس فى ديسمبر سنة 1895، وبعد 4 أيام ظهرت فى القاهرة، فكانت مصر ثانى دولة فى العالم تدخلها السينما، وقام على هذا الفن بكل مفرداته اليهود، وهى حالة غريبة تستدعى التأمل، أن تلحق مصر بركب هذا الفن منذ لحظة ميلاده دون اللحاق بأى من مظاهر الحضارة الغربية التى انطلق قطارها مع بدايات القرن العشرين.
   لقد كان الغرب يصنع الطائرات ويحلق فى أجواء الفضاء وكنا فى مصر ما زلنا نركب الحمير والبغال، واستخدم التليفون ووسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية، وكنا مازلنا نستخدم المنادى فى الشوارع والحارات، بل استخدم التليفزيون منذ ثلاثينيات القرن العشرين وكنا مازلنا نعيش على لمبة الجاز باستثناء سرايات الحكام والباشوات، ولم يدخل التليفزيون مصر إلا بعد أكثر من ثلاثة عقود من ظهوره وبعدما أصبح بالألوان عندهم.
   ليس هذا فحسب، بل شطر الغرب نواة الذرة، وصنع القنبلة الذرية، واستخدم الطاقة النووية فى الغواصات ومحطات توليد الكهرباء، وأطلق الصواريخ تنفذ من أقطار الأرض وتخترق فضاء الكون، ونحن مازلنا نشرب من الترع والآبار، وانتشرت فى الغرب الجامعات ومراكز الأبحاث والمعامل ونحن ننشر فقط فى السينمات والمسارح والملاهى والمراقص، وكانت تقدم لها كل التسهيلات من قبل سلطات الدولة.
   ظهر عندهم رذرفورد وبلانك وأينشتاين وأنريكو فيرى وليو سلزاد وأوبنهايمر وفون براون... وغيرهم من علماء الذرة، ونحن كان يظهر عندنا الراقصة فلانة والمزيكاتى فلان والمشخصاتى علان!!، فلماذا تمسكوا بتقدمهم العلمى واستأثروا به، فى حين صدروا لنا الفن يوم مولده على أراضيهم؟ ألا يعتبر الفن تقدما وتحضرا ورقيا!!! مثلما يقول أصحابه والمنتفعون به عندنا؟ وإذا كان كذلك فلماذا فرطوا فيه بهذه السهولة وهم أحرص على ألا نكون معهم على نفس درجة السلم الحضارى؟
   لم يقف الأمر عند تصديره فقط، بل أرسلوا من يعلمنا مفرداته، وكانوا كلهم من اليهود كما ذكرت فى مقالى السابق، واستقبلوا من يريد أن يتعلمه فى بلادهم، فتحوا معاهدهم لمن يريد تعلم فن التصوير أو المونتاج أو الإخراج، ولم يفتحوا معاهد الذرة والطب والفلك وعلوم الفضاء، استقبلوا طلبة الفن ولم يستقبلوا طلبة العلوم الأخرى، وبالفن غسلوا عقولنا، ومسحوا تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا، وجعلونا أمة بلا هوية.
  بالفن تم تزوير تاريخنا، ولنأخذ مثالا على ذلك، فيلم "الناصر صلاح الدين"، الذى أظهر شخص عيسى الغواص على أنه مسيحى، وهو فى الحقيقة مسلم، وسيرة صلاح الدين التى كتبها القاضى ابن شداد ـ طبيبه ووزيره ـ تقول بذلك، لكن يوسف شاهين (المسيحى) زور التاريخ، وجعل عيسى هذا نصرانيا، ليس هذا فحسب، بل صوره على أنه كان السبب الرئيسى فى نصر حطين وتحرير بيت المقدس!!
   بالفن يتم تحريف القرآن الكريم، والمثال على ذلك فى فيلم "زوج تحت الطلب" حيث قال من شخص دور المأذون: يقول الله تعالى فى كتابه الكريم.. "إن أبغض الحلال عند الله الطلاق"، وهذه ليست آية ولا وجود لها فى القرآن، وفى أحد المسلسلات جاء على لسان المشخصاتى حسين الشربينى: يقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تقنطوا من رحمة الله"، ولا توجد آية تقول هكذا، بل الصواب هو: "قل لعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله".
   بالفن يتم هدم قيمنا وأخلاقياتنا، فكأس الخمر أقرب لأى شخص من كوب المياه، والمراقص كأنها مقاهٍ شعبية، كثيرة ومتاحة لكل مصرى، وفيها يتبادل الرجال زوجاتهم للرقص، فيلف الرجل يديه على خصر زوجة غيره ويتمايل معها، وفى النهاية يصفق لهما زوجها، ومن يعترض على ذلك يكون ظلاميا رجعيا متخلفا.
  بالفن أصبحت علاقة الحب تعنى أن من حق طرفيها تبادل القبلات والأحضان الساخنة، بل إن هناك أفلاما كثيرة تشجع على تبادل القبلات كعلامة على صدق مشاعر الحب، وامتناع أى طرف عنها يكون علامة على انعدام الحب، وتحولت باسم الفن أى علاقة بين الرجل والمرأة إلى استباحة لكل الحرمات وهتك لكل الأستار، فالحب فى النهاية هو تلاصق الأجساد، والزنا تغير لفظه بلفظ مودرن، فأصبح يقال له "جنس"، فإذا ما انتقدت ذلك تكون معقدا ومريضا وتحتاج العرض على طبيب نفسى!
   بالفن أصبح كل صاحب لحية وعمامة شخصا مثيرا للتهكم والسخرية، يقدم على أنه ساذج وجاهل وهمجى، ويأتى بأفعال تكون محل استنكار الجميع، ومن ذلك مدرس اللغة العربية الذى "دائما" يظهر فى أى عمل فنى مثيرا للضحك والاستهزاء.
  لقد رسخ الفن صورا ذهنية لفئات من المجتمع، الغرض منها تحقيرهم لأنهم من المفروض أن يكونوا هم الأعلى شأنا وقيمة، وقدم المجتمع المصرى "المحافظ" على أنه صورة من المجتمعات الغربية، فكل المنازل بها بارات، وكل الشوارع بها حانات، وتظهر المقاهى الشعبية تعج بالبلطجية، والعلاقات العاطفية بين الشباب لا حدود لها، ورغم أن أكثر من 80% من فتيات وسيدات مصر محجبات، فإنه مستحيل أن ترى محجبة فى أى عمل فنى، إلا كانت جدة عجوز، ويكون ذلك قليلا أيضا، وإذا قدمت فتاة محجبة يكون محور العمل الفنى حولها، وينتهى الأمر إلى أنها كانت على خطأ وتسلك ضلالا، فتخلع حجابها وتعود لصوابها، وفى نفس الوقت يظهر اللاتى ترتدين البيكينى، ومن ترتدينه فى الحقيقة عشرات أو مئات، أما ملايين المحجبات فلا يجوز أن يكونوا طرفا فاعلا فى الأعمال الفنية، فهن بالنسبة لصناع السينما فئة دخيلة على المجتمع وغريبة عنه، ومرتديات البيكينى هم الكثرة وهن اللاتى يمثلن المرأة المصرية!!
   باسم الفن، هدموا قواعد الدين، وثوابت مجتمعنا المحافظ، وشوهوا أخلاقياتنا المتوارثة جيلا بعد جيل، تحت مسميات الحضارة والتقدم والرقى!!، مع أن التقدم الحقيقى هو أن تجتهد لتأكل ما تزرعه يداك وتلبس ما تنتجه مصانعك، هو أن تركب سيارة أو طيارة من صنع بلادك، وأن تستخدم جهاز كمبيوتر عليه اسم بلدك، وأن تسلح جيشك بمعدات وذخائر صنعها أخاك فى المواطنة، وأن تستخدم ثلاجة وغسالة ومكيف من إنتاج مصانع بلدك، لكن كل هذا تركناه، فليس من مظاهر التقدم ولا من مظاهر الحضارة أن تحاكى ما يفعل الغرب فى الصناعة وما قد أصبحوا عليه من مستوى تكنولوجى، بل يكفيك أن تقلدهم فى إطالة الشعر ولبس الرجال للسلاسل حول أعناقهم وكأنهم كلاب، وارتداء الملابس الضيقة والخليعة، حتى مأكلنا، أصبحنا نأكل مثلهم، وجبات جاهزة ومياه غازية يدخل فى تركيبة "خلطتها" مواد من بطون الخنازير، وما خفى فهو أقبح وأكثر تنفيرا.
   إن لكل حضارة نفايات، وعجلة الحضارة الغربية الرهيبة قطعت شوطا هائلا فى التقدم، فصنعوا آلات كما البشر تؤدى خدمات يؤديها الإنسان (الروبوت)، واجتازوا الفيافى وغزوا الفضاء واكتشفوا مجاهل الكون، وبنوا المستعمرات تحت المياه وفى جوف الجبال وفى الفضاء، وطوعوا الطبيعة لإمرتهم، وأخذت الأرض زخرفها وازينت، وأصبح أمر الله قاب قوسين أو أدنى، ومع ذلك فنحن لا نرى فى مفردات هذه الحضارة، ولم نأخذ من مظاهرها سوى نفاياتها وقمامتها، هذا الذى يسمى الفن، ومن عباءته انتشرت الملابس الخليعة والسلوكيات المشينة، وتلاشت الفضائل، وحلت الإباحية بين الشباب، فى وجود إعلام داعر يدافع عن الساقطات، ويغتال رموز الفضيلة والطهر.

جديد قسم : مقالات صحفية

اعلان تقسيم مواضيع هنا